كان صيفاً مملاً هذا العام.
الأحداث القائمة في البلاد تحبط أي محاولة للنجاح وتدعوك لليأس وتفسد عطلتك أيضاً!
كنت جالس في يوم مع اثنين من أصدقائي نتحدث -كعادة أي مجموعة- عن الأوضاع الحالية
مجسدين دور المحللين السياسيين أو كما يُسموهم الآن...خبراء استراتيجيين! وكان
أحدهم يفكر جديأ بالهجرة خارج البلاد بعد ما كان قد أبعد هذه الفكرة عن رأسه بعد
ثورة 25 يناير. بينما الأخر كان يميل إلى نفس تفكيره ولكن بحدة أقل. بينما كنت أنا
أجسد دور الوطني الذي يريد أن ينهض بالبلاد من الداخل ويؤمن بأن النضال الحقيقي
يبدأ من التطهير الداخلي وعدم الهروب. ظللنا هكذا لساعات حتى انتهي اليوم وكنا
جالسين في الكوربة بمنطقة مصر الجديدة وفي طريق العودة مررنا بصلاح سالم ولفت
أنظارنا دفعة واحدة هذا القصر الساحر الأخاذ والأضواء من حوله تجعله كلؤلؤة في
أعماق البحر المظلم. انبهر أحد الأصدقاء بالقصر وسألني "ايه ده؟" فأجبته
في الحال: "ده قصر البارون" ولم يكن يعرف بوجود هذه التحفة المعمارية من
قبل. ثم سألني إن كان متاح لنا زيارته أم لا، فأوضحت له أنه قصر مهجور لم يدخله
أحد من سنين. فاستطرد صديقي قائلا: "وازاي يسيبوه كده؟؟! اكيد الإهمال طال كل
حاجة جواه!". وكان قوله قول حق، كيف تترك الحكومة الغبية هذا القصر في هذا
الوضع المُزري؟! ثم قال صديقي الآخر مُعلقاً: "لو كان القصر ده في أي دولة
تانية، كانوا شالوه من على الأرض شيل!" ظللنا نتحسر على القصر المُهمَل
قليلاً ثم رحلنا.
عندما ذهبت إلى المنزل تذكرت أني لا أعرف الكثير
عن هذا القصر فأحسست بالخجل من نفسي كثيراً. كيف يكون هذا القصر العجيب في حدود
المنطقة التي أقطن بها ولا أعرف عنه تفاصيل كثيرة!؟ فقبعت على الكمبيوتر لأٌشبع
رغباتي لمدة يومين كاملين أبحث هنا وهناك لعلي أفهم. فوجدت الكثير من التضاربات!
أبرزها قصص الأشباح الموجودة في القصر. فالبعض يقول أنها حقيقية وأن السكان
المجاورين للقصر رأوا بعض الأثاث يتحرك في القصر ووجود أضواء قادمة من الداخل!
بينما يفسر البعض الآخر وجود الأشباح أنهم كانوا الشباب الذين كانوا يسهرون داخل
القصر في اواخر التسعينيات حينما أطلقت عليهم الشرطة "عبدة الشيطان"!
وكان قد تم القبض عليهم بسبب قيامهم ببعض الطقوس الغربية داخل القصر ( على حد
قولهم ) بالإضافة أنهم كانوا مخمورين. آخرون قالوا أن الأشباح ظهرت فقط من بعد
وفاة أخت البارون هيلانة وسقوطها من شرفتها الداخلية يالقصر بسبب دوران البرج حيث
يقال أن روح هيلانة سخطت من تأخر البارون في إنقاذها حينما سقطت وهو ما عطل تروس
دوران البرج التي لم تدر من ذلك الحين حتى وفاة البارون نفسه عام 1928! لم أكن
أعلم أن هذا القصر ملئ بهذا الغموض. فجذبني هذا الغموض للبحث عنه أكثر وأكثر.
فقرأت القليل عن البارون إمبان نفسه، وكان في رأيي رجل غريب للغاية. فعلى الرغم
مما نعتقدته دائما في الأغنياء من خمول وكسل وعدم مبالاة، كان هذا البارون على
النقيض تماماً! فقد كان يجوب بلدان العالم كافة وكان مهندساً متميزاً، أهداه ملك
فرنسا لقب البارون تكريماً له على إنشاء مترو باريس. لم أتاكد ولكني أُرجح كثيراً
أن هذا المترو هو بالضبط نفس المترو الموجود في مصر الجديدة المطلق عليه
"تروماي". ما فهمته أيضاً انه كان يحب بلاد الحضارات فذهب للهند وتأثر
بهم كثيراً حتى ان البعض قالوا أنه مرِض هناك مرَض شديد، فأعتنوا به الهنود هناك
حتى أتم شفاؤه، فرد لهم الجميل في إنشاء قصره حيث يميل طراز القصر إلى الطراز
الهندي. ثم جاء إلى مصر بإعتبارها مهد الحضارات فأُغرم بها وقرر أن يُدفن فيها حتى
لو توفى بخارجها! ليت من يسعون للهجرة يسمعون لهذا البارون. لا أريد أن أتعمق أكثر
في التاريخ ولكن النتيجة التي وصلت إليها هي أنني أريد دخول هذا القصر مهما كلفني
الثمن!
مرت الأيام وقابلت الأصدقاء مرة أخرى، فجلسنا
إحدى جلساتنا المعتادة ولكني لم أكن أشارك في الحديث. بل الأحرى كنت مشارك بجسدي
فقط ! مر بعض الوقت قبل أن أصرخ فيهم مقاطعاً حديثهم: "عايز أروح
القصر!!". فنظرا لي باستغراب شديد قبل أن يستطرد أحدهم: "قصر ايه؟"
فأجبت: "قصر البارون". فأسرع الآخر بالرد: "انت اتجننت؟ انت يعني
مش عارف إنه مهجور من قرون !" فأجبت: "أيوه يا جدعان بس القصر ده
حــوار! ده مش قصر عادي!" فلاحقني الآخر: "قصدك ايه بالضبط؟" فقلت
لهم: "مش هقدر أشرح كده، لما نروّح هبعت لكوا كام حاجة تشوفوها، ساعتها
هتفمهوا. بس ها؟ نروح بعد بكره. ايه رأيكم؟" فبادرني أحدهم: "اييييه يا
عم، حيلك ! هو موضوع بسيط!؟ ده انت هتعرض حياتنا للخطر!" فبادرته: "يا
جدعان بلاش أفورة. طب خلاص, انا هديلكوا فرصة تشوفوا فيها الحاجة اللي هبعتها لكم
وبعدها نتفق, تمام كده؟" فرد أحدهم: "امممم، ماشي". سألت الآخر:
"تمام يا كريم؟" فتأخر قليلاً قبل أن يرد: "ماشي". ذهبنا إلى
المنزل وأرسلت لهم بعض مما قرأت، ثم تكلمت معهم هاتفياً بعد يومين واتفقنا فعلا
على الذهاب!
وإن كان أصدقائي نعتوني
بالمجنون فلم لا أُريهم الجنان على أصوله!؟ أخذت خلسةً من أبي بعض المال وذهبت
لشراء زجاجة جاك دانيلز!! فقد سمعت أن لها تأثير يبعث البهجة على النفس ولربما
تعطني هذه الزجاجة جرعة شجاعة بالتأكيد سأحتاجها في هذه الرحلة المُخيفة ولربما
أيضاً تُخدر شعوري فلا أشعر بهجوم الأشباح علينا! وجاء اليوم الموعود واتفقت أن
أقابلهم في التاسعة مساءاً أمام القصر وكنت يومها صباحاً أراقب القصر واستكشف من
هم بساحته فوجدت بعض العاملين التابعين لهيئة الآثار تقريبا ويمنعون أي أحد من
الدخول. فسألتهم إن كان بإمكان أي شخص زيارة القصر وكان الرد سريعاً "لأ
طبعاً!" ولكنهم أخبروني أن الدخول ممكن إذا أتيت بتصريح من إدارة الآثار.
وطبعاً كعادة أي شئ حكومي في مصر "حللي بقى على ما تطلعه". غادرت المكان
وأخذت أفكر كيف سندخله وهؤلاء القوم قابعون في الساحة ويحرسون أبوابه؟
دقت الساعة التاسعة ووجدت رفقاء
الدرب -وربما يكونوا شهداء الدرب- في الميعاد. حاولت أن أطمنئهم قدر الإمكان
وأُخبرهم أن القصر تم تنظيفه من مدة ولم يعد مخيفاً كما كان وهكذا، ولكني في
الحقيقة كنت أكثر رعباً منهم ! كنت قد تناولت جرعة كبيرة من الجاك دانيلز منذ
حوالي نصف ساعة ولكني لم أُخبرهم بالطبع كي لا أسبب لهم القلق، فهم فيهم اللي
مكفيهم. ظللنا ندور حول سور القصر من الخارج حتى نتأكد أن الطريق آمن أمامنا. فلم
نرى أي أحد من العاملين بالمكان موجود ! فداهمني صديقي ساخراً: "أنت بلغت قبل
ما نبدأ ولا ايه؟" بالطبع أجبته بالنفي، ولكني كنت قلق حقاً، أين ذهب
العاملون بالمكان؟؟! أنهينا جولتنا حول القصر قبل أن نجد جزء من السور ذو ارتفاع
ضئيل للغاية مصنوع من الطوب الأحمر حتى أننا تعجبنا من هذا! ايه العبقرية دي! فبادر
صديقي متهكماً مرة أخرى: "الله! ده الطريق سالك أهو!" فوثبنا داخل ساحة
القصر بمنتهى السهولة ولكن كان يجب علينا توخي الحذر فجانب هذه البقعة تقطن غرفة
الإستراحة الخاصة بالعاملين، لا أظن أبداً أنها مبنية في زمن القصر لأنها كانت على
طراز مختلف تماما فقد كانت مبنية من الطوب الأحمر. ترقبناها بحذر خوفاً من أن نجد
بها أحد العاملين. لكننا لم نجد فيها أحد. لمحنا صديقي الآخر غرفتي بجانب البوابة
قبالة بعضهم البعض. كان شكلهم عتيق جداً وكان سقفهم مبني على شكل دائرتبن
متقابلتين على نفس تصميم القصر. أُرجح أن البارون كان خصصهم لحراس القصر. فذهبنا
لإستطلاعهما خشيةً أن يكون أحد موجود بداخلهما لكن كانتا فارغة ولكن وجدنا فيها زجاجاتي
مياه فارغة وطبق لم ينظف. قفز في قلوبنا الرعب أن يكون أحد الحراس يقوم بجولة حول
القصر وسيعود لهذه الغرفة مع أني أشك في هذا، ولكن الإحتياط واجب، فركضنا إلى حيث
جئنا وظللنا نراقب المنطقة من فوق السور المنخفض. قبعنا في مكاننا حوالي ربع ساعة
أو يزيد قليلاً حتى أطمئننا أنه لا يوجد أحد. فدخلنا مرة أخرى وذهبنا مباشرة إلى
مدخل القصر ثم وقفنا على سلالم المدخل وظللنا نتأمل القصر من مكاننا، بدايةً من
التماثيل الموجودة على درابزين السلم إلى الزخرفة العبقرية الموجودة على الواجهة.
شعرنا جميعأً بهيبة المكان ثم نظرت إلى أصدقائي قائلاً: "مش قولتلكوا يستاهل!".
تنفسنا الصعداء ثم إتجهنا للداخل.
بالطبع كنا كالمفتونين نتأمل جمال التصميم
الداخلي للقصر وابداع العبقري السكندر مارسيل وبالطبع الزخرفة المدهشة لجورج لويس
كلود. لكن للأسف كان التراب مع بعض البقع المجهولة هويتها يخفي الكثير من هذا
الجمال. ظننت عندما رأيت هذه البقع أنها ربما تكون تلك الناتجة عن طقوس ذبح عبدة
الشيطان لبعض الحيوانات ووضع دمائها على الجدران، في الحقيقة لم أشأ أن أتاكد
فالوضع لا يحتمل والواحد مش ناقص! الجو داخل القصر كان بين البرودة والحرارة ولكنه
مائل قليلاً للحرارة ربما هذا يكون بسبب دخول الشمس للقصر على مدار اليوم. كنا
ندور ونسكتشف في الطابق السفلي وكان كما قالوا عنه، عبارة عن صالة كبيرة وثلاث حجرات.
اثنتان منهما للضيافة والثالثة استعملها البارون كصالة للعب البلياردو، الصالة
موجودة بمدخل القصر وحجرة من حجرتي الضيافة مغلقة حاولت فتحها لكن فيما يبدو أن
قفلها مكسور. تفقّد صديقي الغرفة الأخرى فوجد بها بعض الأثاث الفاخر ولكنه بالطبع
كان رث للغاية حتى أننا تخوفنا من أن نلمسه حتى لا يصير هشيم! تفقدت مع صديقي
الآخر غرفة البليارد فكان معظمها مظلم وكانت توجد طاولة بمنتصف الغرفة ولكن لم تكن
هناك أي كرة، لم أهتم باستكشاف هذه الغرفة. الحقيقة كنت كل ما أريد دخوله الغرف
العلوية والبرج. وكان مفعول الجاك دانيلز قد بدأ بالعمل وبدأ جسدي بالتخدّر. فبدأت
بالصعود على الدرج شيئاً فشيئاً خشية ان أفقد توازني وكان أصدقائي يراقبونني
بإستغراب وكانوا يسألونني عما إذا كان حدث لي مكروه ولكن بالطبع لم أجب ولا أستطيع
أن أجب! لا يمكن أن أكسر تلك الصورة المحفورة لي بذهنهم، وماذا سأقول لهم؟ كنت
أريد أن أضبط دماغي لتصبح على مستوي رهبة المكان! ليس الزمان ولا المكان المناسب
أبداً!
صعدت إلى الطابق العلوي وحدي وهو الطابق الأخير بالمناسبة، تعجبت كثيراً
عندما علمت بذلك! يتكون الطابق من أربع حجرات للنوم ولكل حجرة حمام ملحق بها. كنت
أتفقد الغرف سريعاً فكان بعضها مظلم تماماً. ربما لم أذكر أننا نعتمد في رؤيتنا
للمكان على الكشافات الخارجية فقط! بعض الغرف الأخري وجدت الضوء فيها مناسب فدخلت
إحداهما فووجدت طاولة صغيرة اقرب لما يُدعى الكومودينو بجانب سرير رث وباقي الغرفة
الخالية ماعدا الحمام طبعا وبصراحة لست شغوفاً بمعرفة ما بداخله. المهم أني وجدت
ورقية شديدة الصفرة موجودة على تلك الطاولة، فجذبتها إلي في لهفة وكان مكتوب عليها
بلغة أقرب إلى الإنجليزية وكانت الكلمات منقمة وستايل الكتابة من النوع المشبك! فوضعتها
في جيبي برفق ثم خرجت من الغرفة لأجد أصدقائي في وجهي مباشرة. بادرني أحدهم:
"الأوضة دي كان فيها حاجة ولا ايه؟ طوّلت فيها!" فأجبت بثِقَل:
"هقول لكم بعدين". فنظرا لي بإستغراب ثم إتجهت للبرج ولكن لم أكن أعرف
كيقية الدخول إليه. ظللت أبحث هنا وهناك فوجدت عتبة متوسطة تطل على شرفة بجانب قمة
البرج فوثبت وتبة خفيفة ولكن يبدو أن الأرض الفاصلة بين الطابق والشرفة مصنوع من
الخشب فهويت مباشرة إلى أسفل القصر وأنا أتأوه!! فسمعني صديقي فنادى علي "محمــــد!!".
"آآآه" لم أشعر بجسدي
في البدء والفضل طبعا للشراب السحري! وجدت نفسي بجانب ترس البرج الدائر! وكان يعمل
في بطء شديد والتراب من حوله كثيف جداً. تذكرت قصة البارونة هيلانة فتراجعت خطوتين
للوراء، تلفّت حولي فلم أجد غير باب صغير وأخر بجواره كبير. إن كانت ذاكرتي تسعفني
فباب منهم يؤدي إلى حجرة البدروم (السرداب)
فكان به المطابخ والجراجات وحجرات الخدم. فهممت أن أدخل لكن كان الباب قفله مكسور
أيضاً. فذهبت للباب الآخر ففتح وصعدت منه بعض الدرجات لأجد نفسي في الصالة الكبيرة
مرة أخرى. فقابلني صديقي "أنت كويس يابني؟" فطمئنته: "متقلقش مفيش
حاجة. ملقيتوش طريقة تانية نطلع بيها البرج؟" فبادرني: "أنت ممصم اوي
يعني؟ أصل بصراحة مفيش طريقة غير اللي انت كنت بتعملها دي" سكتّ قليلاً قبل
أن أقول: "مش مهم. انا عايز اشوف بصة بس منه" فقال لي: "الله يخرب
بيتك. تعالى". صعدنا مرة أخرى وكان صديقي الآخر بإنتظاري فإطمئن علي ثم ذهبنا
للشرفة مرة أخرى وقلت لهم: "اسندوني بس لغاية لما أعدي، ماشي؟" فأوموا
برأسهم إيجاباً فعبرت هذه المرة إلى قمة البرج وكانت الروعة كاملةً. رأيت مصر
الجديدة كلها من مكاني. قد سمعت قبلاً أن السلطان حسين كامل رأى القاهرة كلها من
مكانه وقت افتتاح القصر بل رأى أهرامات الجيزة أيضاً! قاطع أفكاري صديقي محمود:
"خد لي صورة بقى للفيو من عندك". فضحكت ونفذت طلبه ثم عدت للداخل مرة
أخرى. فقال لي صديقي الآخر: "يلا بقى أنا عايز أخرج من هنا!" وأيده
محمود في الرأي فإنصاعت لرغبتهم. في طريقنا للخروج أظهرت لهم ما وجدته في الغرفة.
فانبهروا كثيراً وكان خبير اللغة الانجليزية كريم يتفحص الورقة بدقة شديدة. فأوضح
لنا أنها رسالة اعتذار لكنها لم تكتمل وبعض كلماتها غير واضحة. جاء في ذهني ظن
لكني غير متأكد منه. قاطع محمود أفكاري ثانية: "احنا ممكن نوديها كلية اللغات
أو الترجمة وهما يشوفوها". قاطعه كريم: "انت اتجننت؟! هنقول لهم بقى
جبناها منين؟ من بتاع الفول!؟ هتجيب لنا تهمة!". ظلوا يتجادلوا بينما نظرت
للوراء لأرى القصر، هذا القصر الذي وقعت في غرامه، فابتسمت وأنا موقن أني سأعود له
مرة أخرى في يوم ما. .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق